محمد بن عمر التونسي

158

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

ثم انتقلنا من ذلك المكان ، ومشى العسكر أمامنا ، فلحق بنا عالم كثير نساء ورجالا ، وجعلونى أعجوبة « 1 » ، وتكالبوا وازدحموا علىّ ، وأراد العسكر تفريقهم « 2 » ، فما أمكن ذلك ، حتى قال بعضهم : إن السلطان أرسل لأهل الجبل رجلا لم ينضج في بطن أمه ضيافة لهم . فقال بعضهم : هو آدمي . وقال آخرون : هو ليس بآدمىّ ، بل هو حيوان مأكول اللحم ، على هيئة الآدمىّ . لأنهم ينكرون أن يكون للآدمى لون أبيض أو أحمر . وهؤلاء القوم لا يعرفون من اللغة العربية إلا كلمتي الشهادة ، ويقولونهما « 3 » مقطّعتين مع العجمة القبيحة . ولما عجز من معي عن « 4 » الدفع عنى ، جاءني الفقيه زيد ، وأمرني أن أستروجهى بلثام لا يظهر منه إلا الحدقتان . فتلثّمت واحتاط بي العسكر ، وحين رأى السّودان أنى تلثّمت اختلط عليهم الأمر ، وسألوا : أين الأحمر ؟ قالوا : ذهب إلى السلطان . فانكفّوا قليلا . وحينئذ توجهنا إلى محلّ الحبس ، أي الكهوف التي فيها المحبوسون من أولاد الملوك والوزراء ، فمنعنا الحرس من الوصول إليها ، وكاد أن يقع بينهم وبين ( 143 ) جماعتنا شرّ . فتلافى الفقيه زيد الأمر ، وأخذ منّى الفرمان ، وذهب إلى رئيس الحرس وقرأه عليه . وعند ذلك امتثل وقال : إن كان ولا بدّ فليأت المأمور له بالتفرّج وحده ، وجميع من معه يجلس على بعد حتى يقضى شأنه ، ويرجع إليهم . فجاءنى وأخبرني بذلك

--> ( 1 ) في الأصل : عجوبة . ( 2 ) في الأصل : تفرقهم . ( 3 ) في الأصل : ويقولونها . ( 4 ) في الأصل : من .